ابن رشد

48

مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس

قال وليس ينبغي أن يتحفظ بما يدل عليه اسم الحار والبارد في هذا السؤال ، بل وبالمعاني التي يدل عليها المعتدل الذي يقال الحار والبارد بالإضافة إليه . فإنّ المعتدل أيضا يقال إما على الإطلاق ، وإما بالإضافة . فمتى قلناه على الإطلاق ، أردنا بذلك الشيء الذي اجتمعت فيه الأضداد على التساوي ، وأردنا بالحار والبارد أو الرطب أو اليابس الذي يقال / / بالمقايسة إلى هذا المعتدل ، الشيء الذي امتزجت فيه الأضداد على غير تساو . وأما المعتدل بالإضافة إلى النوع . فإذا قلنا في شخص من أشخاص الحيوان أو بشخص من أشخاص النبات ، « إنه معتدل المزاج » ؛ فإنّا لسنا نفهم من الاعتدال في هذا المعنى تساوي الأضداد فيه ؛ ولكن ، نفهم امتزاج الأضداد فيه امتزاجا يكون موافقا للفعل المختص بذلك النوع ، حتى يكون صدور ذلك الفعل عن ذلك المزاج ، على أفضل ما يوجد في ذلك النوع . مثال ذلك أن الشجرة المعتدلة ، هي التي تقتضي مزاجها المختص بذلك النوع أن يكون ثمرها على أفضل ما يكون من ثمر ذلك النوع ؛ والكلب المعتدل ، هو الذي يكون فعله أفضل الأفعال الموجودة في الكلاب . وكذلك الأمر في المعتدل من الناس ؛ ولذلك كان هذا المزاج إنما يوقف عليه من قبل الفعل المختص به . وهذا المزاج يختلف في الموجودات لاختلاف أفعال الموجودات ، فهو في الإنسان ضرورة غيره في الفرس وفي النبات غيره في الحيوان . فلذلك ليس ينبغي في مثل هذا السؤال أن يكون الجواب مطلقا ، فإنه إن كان ذلك ، لم يسلم من الذم والتبكيت . قال ولذلك يجب أن نفعل أحد أمرين ، إما أن نقتص جميع المعاني التي تدل عليها هذه الأسماء ونجيب من واحد واحد منها على التفصيل ، وإما أن نسأله عن المعنى الذي قصده منها ، ونجيبه على ذلك فقط . فإن سأل عن المزاج المتوسط في الجنس أو في النوع ، أجبناه بحسب ذلك : وإن سأل بقياس المتوسط في الجوهر الذي يفهم منه تساوي الكيفيات في الممتزج ، أجبناه أيضا بحسب ذلك . ولما / / كانت الأجناس كثيرة ، وجب أيضا أن نقسم له الأجناس ، ونسأل أي الأجناس اعتبر فيها المتوسط ، الذي سأل بالإضافة إليه ؛ والجنس العالي العام لجميع الأجسام ، هو الجوهر . وذلك أن الجوهر ينقسم إلى مغتذ وإلى غير مغتذ ؛ وغير المغتذي ينقسم إلى الأحجار والمعادن : والمغتذي ينقسم إلى النبات ، والحيوان ينقسم إلى غير ذي الدم ، وإلى ذي الدم . وذو الدم ينقسم إلى الماشي والسابح والطائر . والنبات أيضا إلى ما له ساق وإلى ما ليس له ساق ، وهو الحشائش . وما له ساق ينقسم إلى الشجر والبلوط والزيتون وغير ذلك . والحشائش تنقسم إلى مثل الحشيشة التي تعرف بآذان الفار والفاونيا وغير ذلك . والكليات الأخيرة من هذه ، هي التي تخص باسم النوع ، مثل الفرس والإنسان ؛ والعالي من هذه ، هو الذي يخص باسم الجنس ؛ والمتوسطة ، التي بين الجنس العالي وبين النوع الأخير ، يخص باسم الجنس بالإضافة إلى ما هو تحتها وباسم النوع بالإضافة إلى ما فوقها ، مثل الحيوان ، فإنه جنس لما تحته ونوع بالإضافة إلى ما فوقه قال وقد بينت في مقالة أن بالواجب خص القدماء هذه المتوسطات بالإسمين جميعا . قال وإذا قد لخصنا هذه الأسماء ، فقد ينبغي أن نطلب الدلائل على أصناف هذه الأمزاج ، بعد أن نتمم القول في أصنافها . ولذلك ينبغي أيضا أن نقدم من أمر الأسماء ، ما يحتاج إليه في الفحص عن أصنافها . فنقول : إنّ الحار والبارد والرطب واليابس ليس يدل على معنى واحد عند اليونانيين وذلك أنهم يوقعون ، مرة ، الاسم المشتقّ على الكيفية نفسها ، ومرة ، / / يوقعونها على الجسم الحامل لكيفية : مثال ما يوقعونه على الكيفية قولهم ، « لون أبيض » . وذلك أن البياض هاهنا ، هو صفة اللون ، واللون اسم من أسماء الكيفية المختصة بها . ومثال إيقاعهم إياه على الجسم الحامل له ، قولهم ، « هذا الأسود قار وهذا الأبيض ثليج » . فاسم الحار والبارد والرطب واليابس مرة ، يدل عليه به على الجسم الحامل لها ، ومرة ، يدل به على الكيفيات أنفسها ؛ لكن أسماء الكيفيات المختصة بها الغير مشتقة ، لا تدل إلّا على الكيفية فقط . فإنه لا يقال الجسم يبوسة ولا رطوبة ، وإنما يقال الجسم يابس أو رطب . ولذلك لا يقع في أمثال هذه الأسماء غلط ، وإنما يقع الغلط في الاسم المشتق . قال ومن هذا الموضع غلط ناس في قول إبقراط ، « ما كان من الأبدان في النشو بالحار الغريزي فيه على أكثر ما يكون » . فظنوا أنه يعني بذلك الكيفية ، فعاندوا قوله . قال وإذ قد لخصنا هذا . فنقول : إنّ من الكيفيات الأربع كيفية صرفة ، لا يخالطها شيء ؛ والأجسام التي توصف بهذه الكيفيات ، هي الأسطقسات لجميع الأجسام التي تكون وتفسد . وهذه الكيفيات ، هي الأطراف المتضادة . وأما سائر الأجسام من الحيوان والنبات والمعادن وما لا نفس له ، فهي متوسطات بين هذه الأطراف . وذلك أنه ليس شيء منها فيه حرارة في الغاية ، ولا برودة في الغاية ، ولا رطوبة ، ولا يبوسة ؛ وهي فيها كلها على جهة الاختلاط والمزاج ، ناقصة من قبل كثير بعضها كيفيات بعض ، مثل اللون الأغبر والأخضر ، وسائر / / الألوان المتوسطة بين الأبيض والأسود .